تحديات أخلاقيات الطب الحيوي في المغرب
شهدت أكاديمية المملكة المغربية مؤخراً ملتقى مغربياً-فرنسياً رفيع المستوى، جمع نخبة من الأكاديميين والخبراء لمناقشة إحدى أهم القضايا المعاصرة: تحديات أخلاقيات الطب الحيوي في المغرب والعالم. يأتي هذا التجمع في وقت يشهد فيه العالم تسارعاً غير مسبوق في الابتكارات العلمية والتقنية، مما يفرض إعادة تقييم للأسس الأخلاقية التي تحكم ممارسة الطب وعلوم الحياة. لم تعد الصحة مجرد معالجة للأعضاء، بل أصبحت مقياساً لقدرة المجتمع على التعاطي مع المعاناة وصون الكرامة الإنسانية في ظل التطورات المتلاحقة.
التقدم العلمي وتأثيره على البعد الإنساني
أكد عبد الجليل الحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، على أن التداول في قضية الأخلاقيات الصحية يمثل مسألة جوهرية. ففي ظل الثورة التي أحدثتها مجالات مثل علم الوراثة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات العصبية، وزراعة الأعضاء، وبيولوجيا الكائن الحي، بات الإنسان يتدخل ليس فقط في جسده، بل في مصيره البيولوجي برمته. هذا التدخل المتزايد يستلزم بالضرورة تعميق التبصر والتقدير السليم للمسائل الأخلاقية. كما أشار الحجمري إلى أن البعد الأخلاقي ليس نقيضاً للعلم، بل هو ضميره اليقظ الذي ينير معناه ويوجه مساره ويضع له حدوداً عادلة، دون أن يبطئ وتيرة الابتكار.
أخلاقيات الطب الحيوي في المغرب: دعوة للتبصّر والمسؤولية
من جانبه، أبرز عمر الفاسي الفهري، أمين السر الدائم لأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، الأهمية المتزايدة لمسألة أخلاقيات علم الأحياء، خصوصاً في ميدان الصحة. وأشار إلى أن نطاق الأسئلة الأخلاقية والاجتماعية والقانونية قد اتسع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مما دفع العديد من الدول، بما فيها المغرب منذ أواخر التسعينيات، إلى إنشاء هيئات استشارية متخصصة. هذه التطورات العلمية والتكنولوجية، من الذكاء الاصطناعي إلى التقنيات الحيوية والروبوتات، تُحدث تحولات عميقة في الممارسة الطبية وأنماط الحياة، وتضع تحديات أخلاقيات الطب الحيوي في المغرب على رأس الأولويات. الملتقى يدعو إلى إعادة التفكير في قيم المسؤولية والكرامة والتضامن التي تربط بين جميع أطراف المنظومة الصحية، من باحثين ومقدمي رعاية ومرضى ومواطنين.
الطب كفن وممارسة: البعد الأخلاقي في الممارسات الطبية الحديثة
سلط كريستيان بواتار، الأمين الدائم لأكاديمية الطب الفرنسية، الضوء على أن الأخلاق تتجاوز جميع ممارساتنا، بما في ذلك الممارسات الطبية. وأوضح أن الطب ليس علماً بالمعنى الدقيق، بل هو ممارسة فعلية ترتكز على علوم متعددة. مع التطورات الهائلة في التصوير الطبي والتقنيات التشخيصية، أصبح استيعاب هذا الانفجار التكنولوجي أمراً معقداً، يتطلب توجيهاً أخلاقياً محكماً. كما شدد على أن التفاهم قبل وصف العلاج يمثل أساساً جوهرياً في الممارسة الطبية، وأن مهنة الطبيب ستشهد المزيد من التحولات الواضحة التي تتطلب إطاراً أخلاقياً متيناً. يمكنكم معرفة المزيد حول أخلاقيات الطب الحيوي عبر ويكيبيديا.
أهداف الملتقى: صياغة رؤية إنسانية للصحة
لم يقتصر الملتقى على طرح الإشكاليات، بل هدف أيضاً إلى بلورة رؤية شاملة للمستقبل. وقد تم تحديد عدة أهداف محورية:
- اقتراح تأمل نظري: حول الجوانب الراهنة لأخلاقيات علم الأحياء وتحدياتها المعاصرة.
- دعم هذا التأمل: بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، لاسيما ضمن مسار تكوين المتخصصين في الرعاية الصحية.
- تحقيق نهاية حياة كريمة: من خلال استحضار البعد الأخلاقي في السياسات الصحية.
- حماية الفئات الأكثر ضعفاً: وضمان استجابة الأنظمة الصحية لمعاناتهم.
وفي هذا السياق، أكد جان نوييل فيسينجر، رئيس أكاديمية الطب الفرنسية، على أن استحضار البعد الأخلاقي في السياسات الصحية أمر أساسي لكونه يسهم في تحقيق نهاية حياة كريمة ويحمي الأشخاص الأكثر ضعفاً، جاعلاً من الأخلاقيات محور كل تفكير في ممارسات الصحة والرعاية الطبية. هذا التوجه يسعى إلى صياغة رؤية إنسانية للصحة، مستنيرة بالعلم ومُلهمة بالضمير، تواكب التطورات دون المساس بالقيم الأساسية للإنسان.
المصدر: الجريدة

